الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

265

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ولهذا النظم صارت هذه الجملة بمنزلة الاستطراد والتتميم ، لإظهار الفرق بين حالي الفريقين ولتعقيب النذارة بالبشارة فموقع هذه الجملة المستأنفة موقع الاعتراض ولا تنافي بين الاستئناف والاعتراض وذلك موجب لفصلها عما قبلها . وفيه جري القرآن على سننه من تعقيب الترهيب والترغيب . فأما الجملتان اللتان في سورة عبس فلم يتقدمهما إبهام لأنهما متصلتان معا بالظرف وهو فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ [ عبس : 33 ] . وقد علم من سياق توجيه الخطاب إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن الوجوه الأولى وجوه المكذبين بالرسول ، والوجوه المذكورة بعدها وجوه المؤمنين المصدقين بما جاء به . والقول في تنكير وُجُوهٌ ، والمراد بها ، والإخبار عنها بما بعدها ، كالقول في الآيات التي سبقتها . و ناعِمَةٌ : خبر عن وُجُوهٌ يجوز أن يكون مشتقا من نعم بضم العين ينعم بضمها الذي مصدره نعومة وهي اللين وبهجة المرأى وحسن المنظر . ويجوز أن يكون مشتقا من نعم بكسر العين ينعم مثل حذر ، إذا كان ذا نعمة ، أي حسن العيش والترف . ويتعلق لِسَعْيِها بقوله : راضِيَةٌ ، و راضِيَةٌ خبر ثان عن وُجُوهٌ والمراد بالسعي : العمل الذي يسعاه المرء ليستفيد منه . وعبّر به هنا مقابل قوله في ضده عامِلَةٌ [ الغاشية : 3 ] . والرضى : ضد السخط ، أي هي حامدة ما سعته في الدنيا من العمل الذي هو امتثال ما أمر اللّه به على لسان رسوله صلى اللّه عليه وسلم . والمجرور في قوله : فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ خبر ثالث عن وُجُوهٌ والجنة أريد به مجموع دار الثواب الصادق بجنات كثيرة أو أريد به الجنس مثل عَلِمَتْ نَفْسٌ [ التكوير : 14 ] . ووصف جَنَّةٍ ب عالِيَةٍ لزيادة الحسن لأن أحسن الجنات ما كان في المرتفعات ، قال تعالى : كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ [ البقرة : 265 ] فذلك يزيد حسن باطنها بحسن ما يشاهده الكائن فيها من مناظر ، وهذا وصف شامل لحسن موقع الجنة .